تسجيل الدخول

الدخول عن طريق الفيسبوك

رثاء قومي، ديمقراطي ويساري، لـ: جيل شيوعي عصيُّ على الموت -القسم الثالث والأخير - سميح غنادري

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
579
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

رثاء قومي، ديمقراطي ويساري، لـ: جيل شيوعي عصيُّ على الموت -القسم الثالث والأخير - سميح غنادري

 

عربا فلسطينيي ولدنا وهكذا بقينا. هذا هو وطننا الذي ما من وطن لنا سواه، ولن نرضى فيه إلا بالمساواة ولا أقل من المساواة. هنا باقون ولن نترك هذا الوطن ونرحل حتى إلى الدولة الفلسطينية التي ستقوم في الضفة والقطاع. ومن موقعنا هذا، بصفتنا جزء لا يتجزأ من شعبنا العربي الفلسطيني (الهوية) وبصفتنا مواطنين في إسرائيل (الجنسية)، نناضل من أجل المساواة القومية والمدنية لشعبنا هنا، ومن أجل إنهاء الاحتلال وضمان حق تقرير المصير وإقامة الدولة لشعبنا هناك، ولعودة اللاجئين. هذا بالإضافة إلى نضالنا داخل المجتمع الإسرائيلي لإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل وضد العنصرية الصهيونية وسياسة التمييز القومي، ومن أجل الديمقراطية وضد العسكرة وخطر الفاشية، ولصالح حقوق العاملين ونصرة المستضعفين والتقدم الاجتماعي.

هكذا حلّ جيل الشيوعيين العرب الرّواد معضلة ثنائية الهوية القومية والجنسية المدنية. لكنهم أكدوا أن كون الأقلية القومية جزء لا يتجزأ من شعبها العربي الفلسطيني لا يعني كونها جزء لا يتجزأ تنظيميا أيضا من حركة تحرره الوطني. وليس المقصود بهذا أن نضالها ليس رافدا يصب بالمجمل في بحر الحركة الوطنية العامة لشعبها أينما كان، في الشتات القسري أو تحت الاحتلال. وإنما المقصود أن مهمات وظروف وإمكانيات ووسائل وأدوات كفاح الأقلية القومية الفلسطينية داخل إسرائيل وبصفتها أقلية مواطنين، لا تجعلها ولا تمكنها أصلا من أن تكون جزء لا يتجزأ من م.ت.ف، مؤتمرة بقيادتها أو بقيادة فصائل منها وتستنسخ أدوات كفاحها. فنضال هذه الأقلية، في الزمكانية والتاريخية المعطاة، نضال مدني وسلمي وجماهيري من أجل السلام العادل والمساواة القومية، وبقيادة قيادة منها وفيها هي تنشئها وتختارها.

                    

الفلسطنة – والعلاقة مع م.ت.ف

لم يمنع ما أوردناه سابقا قلة من القوميين من اتهام الشيوعيين بتشويه الهوية القومية لشعبهم وعدم فلسطنته. قلت "قلّة" لأن الغالبية الساحقة من القوميين كانوا حلفاء لا حزبيين للشيوعيين في القوائم الانتخابية لـِ: "قائمة الحزب الشيوعي واللاحزبيين"، وفي الكفاحات اليومية والميدانية، وفي "الجبهة الديمقراطية" القطرية والجبهات المحلية التي تأسست في السبعينات، بل وفي "الجبهة الشعبية" التي تأسست في الخمسينات.

"والدليل"، برأي قلة من القوميين، على عدم الفلسطنة هو تحفظ الشيوعيين وإدانتهم أحيانا لبعض مواقف وممارسات قيادة م.ت.ف في السنوات الأولى لتأسيسها، وعدم اعتبارها ممثلة شرعية ووحيدة للعرب الفلسطينيين في إسرائيل أيضا. و"الدليل" هو رفض ومقاومة الشيوعيين لتنظيم الأقلية على أساس قومي وبناء مؤسسات تمثيلية قومية لها. و"الدليل" منعهم لرفع العلم القلسطيني في مظاهراتهم وإسكاتهم لهتافات قومية تعبّر عن تطلعات الشعب العرب الفلسطيني... وهكذا، إلخ.

يسجل لصالح الشيوعيين، لا لإدانتهم، أنهم انتقدوا وأدانوا بعض مواقف وممارسات م.ت.ف (لقد تخلت عنها المنظمة منذ عقود). لم تكن هذه إدانة من باب الأسرلة وعدم تحميل إسرائيل المسؤولية بصفتها المحتل والقاتل. وإنما من باب خدمة القضية الوطنية الفلسطينية والحرص على تبيان عدالتها وإنسانيتها وأخلاقيتها. إذ على الضحية المغتصبة والمقتولة ألا تسمح بقلب الصورة في الرأي العام، وداخل صفوفها أيضا، حرصا على الذات الكفاحية الإنسانية وشرعيتها وأخلاقيتها. فالقضية العادلة بحاجة إلى وسائل وأدوات كفاح عادلة. ولا يجوز تشويه الصورة فيصبح القاتل مقتولا والقتيل قاتلا. "أنا الطفل القتيل... لا قاتل الأطفال"، كتبت  صحيفة"الاتحاد" باسم عدالة وإنسانية وتبيان حقيقة قضية شعب بأسره.

أعلن الشيوعيون، حتى من على منبر الكنيست، أنه يحق لشعب للاجئين والرازخين تحت نير الاحتلال أن يلجأ لشتى وسائل الكفاح، بما فيها المسلح، لتحقيق استقلاله. وحين اندلعت الانتفاضة الأولى لشعبنا سنة 1987، استحالت "الاتحاد" (لسان حال الحزب الشيوعي) إلى ما هو أشبه بلسان حال الانتفاضة. إذ على مدى شهور متتالية كان المانشيت الرئيسي على صفحتها الأولى عن انتفاضة الضفة والقطاع (أدى هذا إلى إغلاقها لمدة أسبوعين من قبل السلطات الأمنية الإسرائيلية). وإن لم تخنـّي الذاكرة، صحيفة "الاتحاد" هي أول من سمّى الانتفاضة بهذا الاسم الذي أصبح فيما بعد اسما فلسطينيا وعربيا عاما، بل وعالميا. وعندما قام فدائي فلسطيني بعبور الحدود اللبنانية على متن طائرة شراعية بدائية، خرجت "الاتحاد" بعنوان على عرض صفحتها الأولى، ومن ثلاث كلمات فقط: "العودة... أم الاختراع". كتبت يومها "فلسطين الثورة"، لسان حال م.ت.ف، أن هذا العنوان أفضل وأبلغ عنوان طرّاً، ظهر عن العملية في أية صحيفة عربية من المحيط إلى الخليج.

وكان الشيوعيون من أوائل المتصدين  في البلاد لاعتبار إسرائيل لمنظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية، ومن أوائل المتـَحَدين للقانون الذي يحظر اللقاء بممثليها. ولا أقصد بهذا فقط عقد لقاءات فردية أو سرية وغير معلنة، وإنما أقصد أيضا عقد لقاءات لمحادثات رسمية وعلنية صدرت عنها بيانات مشتركة، عدا عن تنظيم وفود جماهيرية للقاء برئيسها ياسر عرفات  وبممثلي المنظمة في تونس وفي غيرها من العواصم العربية والعالمية.

والمخفي عن تلك المشاورات واللقاءات، بما فيها السرية، قد يكون أعظم من المعلوم. وأكتفي بالإشارة إلى أن شخصية قيادية في م.ت.ف كشفت النقاب، في مقال تأبيني كتبته إثر وفاة إميل حبيبي في أيار 1996، عن أن حبيبي استدعي أكثر من مرة سراً للقاء ياسر عرفات وشخصيات أخرى في قيادة المنظمة بهدف التشاور وتقديم المشورة، وحضر اجتماعا للجنة التنفيذية للمنظمة وحاضر فيه. وكان له دور في رأب الصدع بين اتحاد كتاب فلسطين وصحفييها. كذلك كشفت مؤخرا شخصية فلسطينية من قيادة المنظمة، في أثناء زيارتها للتعزية بوفاة توفيق طوبي، عن مساهمة طوبي في رأب الصدع القديم بين فصائل م.ت. ف من خلال لقاءاته السرية بقياداتها في الماضي.

وفي مظاهرات الشيوعيين في شتى المدن والقرى العربية في البلاد، استمعنا لهتافات: "من الناصرة لجنين شعب واحد ما بلين" و "من عكا لغزه اهتزي يا أرض اهتزي" و "من حيفا لبيروت شعب حي ما بيموت" و "الوطن العربي لاصحابه مش لبيغين وكلابه" و "الإرهابي مين مين، يا سفاح دير ياسين" و "غير الحق ما بيصير، دولة وتقرير المصير" و "يا أطفال الحجارة، الواحد منكم منارة" و"يا أطفال الآر بي جي، يوم النصر راح ييجي" و "يا احتلال اطلع برّا، فلسطين صارت حرة" و "ما بتنفع مفاوضات إلا مع ياسر عرفات".

وكان لأدب الشيوعيين أيضا دور كبير ليس فقط في تعميق الفلسطنة والتغني بالحبيبة فلسطين، عشقا وطنيا وانتماءً، وإنما أيضا في الموقف من الكفاح المسلح هناك ووسائل الكفاح هنا. حين يلتقي سعيد أبو النحس "المتشائل" في الزنزانة الإسرائيلية مع فدائي مضرّج بدمائه، يشعر أنه في حضرة جلالة ملك يرتدي بدلته الأرجوانية. أما "باقية"، والتي ترمز للبقية الباقية في وطنها من الشعب العربي الفلسطيني، فتعترض على قرار ابنها "ولاء" اللجوء إلى الكفاح المسلح وهروبه إلى كهف في البحرعند الطنطورة لأخذ رشاش كان قد خبأه جده في صندوق هناك. لكن باقية –الأم- لا تتخلى عن الابن.

لنقرأ بعض ما جاء في حوار الأم من على الشاطئ مع ابنها في الكهف في البحر: هي تطلب منه أن يلقي بسلاحه، لا خوفا من إسرائيل وجنودها إنما "خوفا عليك يا ولاء... ومن باب الاحتراس والحرص عليك... الطبيعة تكره الإجهاض... وكل شيء ينضج في وقته، وهكذا هم الناس في سعيهم لانتزاع حريتهم... والناس لا تتحمل يا ولاء ما قررت أن تقدم عليه... دع الزمن يُزمن". يرفض ولاء سماع نصائح وحجج أمه... "فأسرعت إليه ويداها ممدودتان كجناحي طير يسرع إلى عشه ليحمي جوازله"... "أنا آتية إليك، ففي الصندوق رشاش آخر، وسأحميك بحبي" – قالت الأم الباقية!

 

ثورجية الشعار وتحجيب رافع العَلم...

نعم، لم يرفع الشيوعيون علما فلسطينيا في مظاهراتهم حتى أواسط الثمانينات. لأن رفع العلم الفلسطيني كان محظورا ويعرّض رافعه إلى محاكمة أمنية جنائية بصفته متماهيا مع "منظمة إرهابية"، إذ اعتبر علما لـ م.ت.ف وليس لشعب. هم أكدوا أن المنظمة ليست إرهابية وإنما قيادة تمثيلية شرعية لحركة تحرر وطني، والعلم أصلا علم شعب. ولكنهم لم يرفعوه في مظاهراتهم من باب الحرص على سلامة رافعيه والمتظاهرين جميعا، ولتفويت الفرصة على قوات شرطة القمع من الاعتداء على المظاهرة وتفريقها. وحرصا على القضايا القومية والمدنية موضوع المظاهرة، بما فيها قضية دعم حركة التحرر الوطني لشعبهم من داخل إسرائيل. وقلقا على تبعيات عمل كهذا وما قد يجرّه من اعتداء بوليسي على المتظاهرين، ومن ثم اعتكاف الناس عن المشاركة الفاعلة في الكفاح الميداني السياسي – المدني والجماهيري. فالناس ترفض المغامرة. والذي يتصرف بصفته قائدا مسؤولا عن شعب، يفكر ألف مرة قبل أن يزج بالشعب في عمل لم تأت ساعته بعد. والناس غير ناضجة وجاهزة بعد لدفع ثمنه وتحمّل تبعاته وقد يسيء إلى قضية النضال الأساسية في حينه أو تجنيد الناس لها.

لم يمنع الشيوعيون آخرين من رفع العلم في مظاهرات ينظمها هؤلاء الآخرون ولم يهاجموهم كتابياً. هؤلاء الآخرون لم ينظموا أصلا مظاهرات جماهيرية (لم يكن بإمكانهم هذا، لأن الجماهير لا تؤيد مواقفهم). كانوا يرسلون قلة قليلة من شبابهم تتستر وسط آلاف المتظاهرين في مظاهرات ينظمها الشيوعيون. ثم فجأة يرتفع شخص على الأكتاف، مغطى الرأس والوجه وملثم كليا، رافعا علما فلسطينيا. فيسرع منظمو المظاهرة إلى إنزاله وتخبئة العلم وحماية رافعه. يعترض الشيوعيون ويفسّرون أن المهمة الآن ليست رفع العلم الفلسطيني في الناصرة، وإنما إنزال العلم الإسرائيلي عن القدس وأخواتها.

وهكذا الأمر بخصوص شعارات ثورية، والأصح ثورجية كلامية، كان يطيب لتلك القلة أن ترددها في مظاهرات الشيوعيين أو/و مظاهرات جماعية لهيئات تمثيلية قومية وطنية متفق على هدفها وشعاراتها. مثل "الجليل كالخليل" و "بطّل ينفع إلا المدفع" وما شابهها من شعارات تتغنى بالمقاومة المسلحة داخل إسرائيل. وفسر الشيوعيون رفضهم لهكذا شعارات بكونها شعارات لفظية تنم عن طفولة ثورية وتؤدي إلى تشويه حقيقة نضالاتنا وتخدم موضوعيا، في نهاية المطاف، من يريد البطش بنا وخنق كفاحنا الجماهيري السلمي.

كتبت "الاتحاد" مثلا أن المقصود من شعار "الجليل كالخليل" هو أن يعلن الجليل عصيانا مدنيا وانتفاضة مسلحة كما هو حاصل في الخليل المحتلة. هذا لن يحصل، ويجب قلب الشعار ليصبح "الخليل ليست كالجليل"، بمعنى أنه لن نسمح بأن يكون مصير الخليل كما كان مصير الجليل-الإحتلال الدائم والضمّ والتهويد. أما بخصوص شعار "بطَّل ينفع إلا المدفع"، فإسرائيل هي التي تملك المدفع، وتريد عن طريق ترسانتها المسلحة أن ترهبنا وتقمع كفاحنا ضد الاحتلال. وإذا كان بطل ينفع إلا المدفع فلنغلق بيوتنا على أنفسنا ولا نواصل النضال لأننا لا نملك المدفع. لذا يجب أن يكون شعارنا "حتى المدفع بطل ينفع"، بمعنى أن كل البطش العسكري لإسرائيل بحق شعبنا لن ينفع في إرهابنا وثنينا عن مواصلة الكفاح ضد الاحتلال.

أقدر وأحترم ولا أشكك بثورية وحرقة إنسان يتحدى ويرفع علما ويطلق شعارا، بقصد تأكيد وإبراز الهوية القومية والوطنية والكفاحية لشعبه. لكن لا ولم تتحقق الفلسطنة لعرب البلاد في حينه عن طريق رفع علم، وليس طبعا عن طريق اختفاء رافعه وراء حجاب. الفلسطنة عملية كفاحية وثقافية دؤوبة ومتواصلة وعلنية. هي حرث للأرض متراً وراء الآخر، وتمهيدها شبرا وراء شبر، وسقيها بالماء لترا وراء الآخر، وزرعها بأشتال تصبح أشجارا وراء أخرى – خضراء ووارفة الظلال وغنية بالثمار ويتفيأ شعب بأسره في ظلها.

ولكل المدّعين- منذ الثمانينات حتى اليوم- بأنهم فلسطنوا الأقلية القومية الباقية في وطنها، أقول لا يضيرهم أن يقرؤوا التاريخ السياسي والاجتماعي لحركاتهم ولمدى تأثيرها ولشعبهم عموما. وحتى حينه أحيلهم لقراءة بحث أكاديمي أجراه د. سامي سموحة سنة 1976، أظهرت نتائجه الاستطلاعية أن 59% من عرب البلاد يعرّفون أنفسهم بأنهم فلسطينيون – لا إسرائيليين ولا مسلمين ولا مسيحيين. وفي بحث استطلاعي آخر لسنة 1977 أجراه د. تسلر تبين أن 85% من المُستَطلَعين يرون أن كلمة "فلسطيني" تعبر أفضل من كل ما عداها عن انتمائهم.

فهل "تفلسطن" شعبنا هنا على أيدي حركات قومية و/أو دينية نشأت وأصبحت ذات تأثير محدود بعد سنوات، بل وعقود، من إجراء تلك الاستطلاعات؟!

 

تنظيم الأقلية القومية وبناء مؤسساتها التمثيلية

ليس صحيحا أن الشيوعيين منعوا أو وقفوا ضد حق تشكيل أي حزب أو أي إطار تنظيمي قومي وتمثيلي للجماهير العربية في إسرائيل. السلطة الإسرائيلية، وباعتمادها على الحكم العسكري وقوانين الطوارئ، هي التي كانت تمنع ذلك. وكفى تجنيّا على وقائع  التاريخ باتهام الشيوعيين أنهم  قاوموا ومنعوا تشكيل "حركة الأرض" في نهاية الخمسينات.  إسرائيل هي التي حظرتها وكفَّت حكوماتها المتعاقبة عن منع تشكيل حركات قومية بعد إزالة الحكم العسكري. وتشكلت ونشطت عدة حركات وأحزاب قومية، أو عربية العضوية فقط. مثلا، حركة "أبناء البلد" و "الحركة التقدمية" و "الحزب العربي" و "الحركة الإسلامية" و "التجمع الوطني الديمقراطي" و "الحركة العربية للتغيير". ولم يقف الحزب الشيوعي ضد تشكيلها، بل عارض تهديدات سلطوية بحل بعضها وتعاون معها في قضايا السلام العادل والمساواة القومية، وتحالف انتخابيا مع بعضها – في البرلمان والسلطات المحلية.   

الصحيح أن الحزب الشيوعي اختلف مع الحركات والأحزاب القومية القديمة والجديدة بخصوص فكرها وبرامجها ومواقفها السياسية وممارساتها، لا لكونها قومية البرنامج والتنظيم وعربية العضوية فقط. وانتقدوها بناء عليه لكونها رجعية أو دينية أو طائفية أو متطرفة. وصحيح أن هذا الخلاف كان يصل أحيانا مع بعضها إلى حد الحدّة والتجريح. لكنه كان وما زال احتلافا ونقدا متبادلا فاقت حدته المعقول. ووصل الأمر ببعض تلك الأحزاب إلى دمغ الشيوعيين بالخيانة والأسرلة والصهينة. وغالبا ما كانت تلك الحركات هي التي تبدأ بالهجوم. ولاحظت من خلال مراجعاتي أن العديد من االمجموعات القومية الجديدة التي كانت تظهر، كانت تعمّد ظهورها بالهجوم على الشيوعيين إلى حد التخوين.

ولم يكن النقاش من قبل الشيوعيين حول حق تأسيس وتنظيم تلك الأحزاب والحركات على أساس قومي. لقد فاضت صفحات "الاتحاد" وبُحّت أصوات الخطباء الشيوعيين وهم يخاطبون الحركة "التقدمية": أقيموا حركتكم، ولكن لماذا يجب أن تناصبوا الشيوعيين العداء وتوجهوا ضدهم كل تهجماتكم؟ فإذا كانت أهدافكم قومية وفلسطينية ووطنية حقا، البيت الوطني بما فيه بيت"الجبهة" يتسع للجميع. ووحدة الصف الوطنية القومية قضية أساسية وأقدس من أقدس بقرة مقدسة –("التقدمية" نشرت يومها أن الوحدة ليست بقرة مقدسة)- وبها نلزم السلطة الإسرائيلية على التعامل معنا كشعب ونستل حقوقنا كشعب.

بذكري لهذه الحقائق المفحوصة والمثبتة التي أوردتها أعلاه، لا أقصد أن أنفي حقيقة انزلاق نقاش الشيوعيين أيضا إلى الحدة والمبالغة والمحظور، أحيانا. ولكن قصب السبق في بدء التهجم وتخطي حدود المسموح به حتى في الاختلافات، يعود لتلك المجموعات والحركات أولاً. ومن خلال مراجعاتي لصحف ومناشير الجميع لتلك الفترة، لبحثي المقارن هذا، لاحظت أن تلك القوى تتصرف وكأنها تريد نيل شرعيتها القومية – الوطنية من خلال نفي قومية ووطنية الشيوعيين إلى حد التخوين، هذا عدا عن التشويه الافترائي والشخصي البذيء بحق قياداتهم، مما يندى له جبين حتى الورق إن أعدنا الاستشهاد به الآن.

لم تستطع غالبية تلك الحركات والأحزاب أن تصمد وتفرض نفسها جماهيرياً. بعضها اختفى. وبعضها استمر في الحياة من خلال الالتصاق "التحالفي" مع احزاب تضمن لها عضو برلمان، ليس بمقدورها أن تحصل عليه لو خاضت الاتنخابات لوحدها. وإحداها، القومي والراديكالي حقاً، بقى على مدى ثلاثة عقود منذ تأسيسه مجموعة ضيقة غير مؤثرة جماهيرياً أو متواجدة في غالبية مدننا وقرانا. وذلك بسبب رفض الجماهير لمواقفها المتطرفة ولارتباطها بقوى فلسطينية في الخارج وبتوجيهاتها، أكثر من ارتباطها ميدانيا بقضايا شعبها القومية والمدنية- هنا. أي أن هذا الواقع التعيس جماهيريا لتلك الحركات لم يكن حصيلة انتقادات ونقاشات الشيوعيين معها- (أصلاً تحالف بعضهم انتخابيا مع الشيوعيين)- وإنما لعطب فيها، برنامجا وتنظيماً وممارسة، ولإهمال ونقص صارخ في الاهتمام بالقضايا المعيشية للبقية العربية الباقية في وطنها.

وحدها "الإسلامية" ووحدة "التجمع" استطاعا أن يكونا تيارين إضافيين وحقيقيين إلى جانب التيار الأول "الشيوعي- الجبهوي"، وليس لأنه لم تقع "مناوشات" فكرية وسياسية حادة بينهما وبين الشيوعيين، بل ربما كانت تلك الأحدّ فكريا. الأولى استطاعت هذا لاعتمادها على الفكر والقاعدة الدينية. والثاني لاعتماده على الفكر القومي الديمقراطي وخطاب الهوية والمواطنة المتساوية وبناء حركة وطنية هنا.

جذور الشيوعيين- الجبهويين ثابتة في البلاد، وليس لأن السلطة لم تعاديهم وأجازتهم ولم تجز العمل لغيرهم في الخمسينيات والستينيات. ولا لأنهم كانوا الحزب الوحيد الفاعل بين العرب حتى السبعينيات. لم تجزهم السلطة، فهم أصلاً حزب شرعي وقائم في البلاد منذ سنة 1919 واستمر قيامه رأساً في اليوم التالي لقيام إسرائيل. وكان لهذا الحزب حصة الأسد في معاداة وملاحقة السلطة وأجهزة أمنها له. لدرجة أنه يندر أن نجد شيوعيا قديما لم يتم اعتقاله إداريا أو محاكمته وسجنه، أو نفيه أو تحديد مكان إقامته، أو التحقيق مع وتهديده لثنيه عن عضوية الحزب، أو منعه من دخول الضفة والقطاع بعد احتلال 1967، أو حرمانه من وظيفة يستحقها...الخ

أما بخصوص كونه الحزب الوحيد حتى الثمانينيات، فلقد كان قبل الثمانينيات "أبناء البلد" أيضا وقبلها "متسبين" اليهودية العربية، فليسألا نفسيهما لماذا لم يصبحا تياراً جماهيرياً. ولماذا لم تتأسس عدة حركات قومية يومها. لقد أصبح الحزب الشيوعي هو التيار بين الجماهير العربية لأنه، منذ اليوم الأول للنكبة وعلى مدى عقود بعدها، رفع لواء الحقوق القومية والمدنية والمطالب المعيشية وتعزيز الهوية للأقلية القومية في البلاد، بشجاعة حكيمة وحكمة شجاعة. واندمج حتى النخاع في العمل الميداني والجماهيري بين الناس- مدينة مدينة وقرية قرية وشارعا و...زنقة زنقة (استعرضنا هذا في القسمين الاول والثاني من هذا المقال). "أويهة ونذر عليّ، مش راح ننسى فضلكوا يا شوعيه"- هكذا كانت تزغرد النساء العربيات في أعراس الجليل والمثلث في الستينيات.

لقد ارتبط هذا الحزب في وجدان وذاكرة الناس، ومن خلال تجربتهم الغنية معه بكونه، حزبا يعيش حياتهم ومعاناتهم اليومية ويناضل لتحقيق مطالبهم ويمثل قضاياهم ويحقق الإنجازات. ويفعل هذا بدون تطرف أو مغامرة ولا يوقعهم في مطبات. ولا ننسى عامل عدم استئثاره بالعمل وإقامته للجبهات وتجنيده للعمل السياسي واستقطابه الشخصيات القومية والوطنية اللاحزبية، الاجتماعية والأكاديمية والمثقفة والبارزة وذات الوزن الجماهيري في كل مدينة وقرية عربية. ولا ننسى عامل التنظيم  والالتزام وتفاني الأعضاء، وأولاً القادة، في خدمة الحزب وعمله الميداني- لا في استخدامه مطية وأداة لخدمة أجندات شخصية. وحبّذا لو تستلهم كل احزابنا وحركاتنا العربية الوطنية هذا النهج الشيوعي في العمل، بدلاً من تعليق عدم نجاعتها مرة على شماعة السلطة وأخرى على كاهل الشيوعيين "المعادين لحقهم في التنظيم القومي". ففي هذا صالح تلك الحركات- ونريد صالحها جميعاً ما دامت تيارات وطنية: قومية تجمعية كانت أم إسلامية، إلى جانب التيار الشيوعي-الجبهوي.

انهار العالم الاشتراكي، سند ومثال الشيوعيين. مات القادة التاريخيون للحزب الشيوعي. اختلف معه وخرج من صفوفه قادة من الصف الأول وكتـّاب وشعراء وصحفيون ومثقفون وشخصيات اجتماعية بارزة. لم تعد صحفة هي الصحافة العربية الوطنية الوحيدة في الوسط العربي. ولم يعد هو الحزب الوطني الجماهيري الوحيد بين العرب، بل تعددت أحزابنا العربية وقوائمها الانتخابية البرلمانية والمحلية. ورغم هذا يحصل الحزب الشيوعي في الانتخابات الأخيرة على تمثيل برلماني ومحلي يضاهي ما كان يحصل عليه قبل أربعة عقود، أي قبل وقوع كل هذه المستجدات التي أوردناها في السطور أعلاه. وفي هذا أمر عجب، يبطل إذا ما عرفنا السبب: الشيوعيون والجبهويون من طينة هذا الشعب ولقضاياه قاتلوا ولم يتطرفوا ويغامروا، والشعب يرى ويسمع...وينتخب.

ولا، لم يمنع الشيوعيون- الجبهويون تنظيم الأقلية القومية وتشكيل هيئاتها ومؤسساتها التمثيلية على أساس قومي. وبعض تلك الهيئات ذاب واختفى أو تعطل نشاطه، في ظل التعددية الحزبية التي كان من المفروض أن تعيد تنظيم الحركة الوطنية لشعبنا وتزيد من مؤسساته. لنعدد تلك الأطر التنظيمية التي بادر الشيوعيون لتأسيسها ولتنشيطها: لجان الطلاب في الجامعات والاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب، مجالس الطلبة في الثانويات والاتحاد القطري للطلاب الثانويين العرب، لجنة الدفاع عن الأراضي، لجنة الدفاع عن الأوقاف الإسلامية، روابط الأكاديميين والتجار والحرفيين المحلية، اتحاد الأدباء العرب، اللجنة القطرية للأولياء أمور الطلاب، لجنة المبادرة الدرزية، اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، لجنة المتابعة لشؤون المواطنين العرب.

أضف إلى هذا عقد مؤتمرات قومية في الثمانينيات لبحث مواضيع قضايا تمييز عنصري حارقة بحق المواطنين العرب. وكلها مؤتمرات أسفرت عن إقامة لجان متابعة قطرية لأعمالها نشطت لسنوات ثم اختفت. نذكر منها مؤتمرات: الأرض والمسكن، التعليم، الصحة والخدمات الصحية، الزراعة العربية، الخدمات الاجتماعية. ولا ننسى المؤتمر القومي الوطني التتويجي لنضالات شعبنا وتأكيد هويته-"مؤتمر الجماهير العربية" الذي كان من المقرر عقده بتاريخ 6.12.1980 وأصدر رئيس الحكومة في حينه، مناحم بيغن، أمرأ بحظره. فلم يُعقد وأصبح يُعرف باسم "المؤتمر المحظور".

لكن "مؤتمر الجماهير العربية"... "إنعقد" جماهيريا بما سبقه من وثائق وإعداد على مدى شهور. المكتب السياسي للحزب الشيوعي هو الذي اتخذ قراراً بعقد المؤتمر. ثم عمل على تشكيل لجنة تحضيرية واسعة وتمثيلية ضمّت الشيوعيين والجبهويين ومختلف الشخصيات التمثيلية القومية والوطنية والدينية. صدرت وثيقة سياسية  تحضيرية للمؤتمر كتبها إميل حبيبي. وكان سيرأس المؤتمر لو عقد رئيس لجنته التحضيرية  د.اميل توما. وقّع على الوثيقة السياسية الآلاف من الشخصيات العربية في البلاد. وجاء فيها: "نحن أهل هذه البلاد، ولا وطن لنا غير هذا الوطن، ولم ولن ننكر لو جوبهننا بالموت أصلنا العريق: جزء حي وواع من الشعب العربي الفلسطيني". وكان سيسفر المؤتمر عن انتخاب لجنة متابعة لتمثيل الأقلية القومية وكفاحها من أجل السلام العادل والمساواة القومية والمدنية والديمقراطية.

لقد لاحظتُ، ومنذ سنوات عديدة، أنه أمام عدم إمكانية إثبات رفض جيل الشيوعيين العرب الرواد لتنظيم الأقلية وبناء مؤسساتها التمثيلية، يلجأ البعض إلى نسب الامر لذاته. فهذا أسس وقاد لجنة الدفاع عن الأراضي، وذاك خطط وأعدّ لإضراب يوم الأرض، وثالث بنى لجنة الرؤساء ولجنة المتابعة، ورابع أسس وقاد اتحاد الطلاب الجامعيين، وخامس أسس اللجنة القطرية للطلاب الثانويين...وهكذا الخ.

حسنا، الله يعطي العافية للجميع، ومشكور سعيهم. ولم يكشف الحزب الشيوعي بعد بروتوكولات اجتماعات مكتبه السياسي ولجنته المركزية، لتبيان مَن اتخذ القرار وخطط ودرس وأقام اللجان التحضيرية، وكتب البيانات وأعدّ مشروع القرارات...قبل شهور من إعلان أي إضراب أو عقد أي مؤتمر أو تأسيس أي هيئة تمثيلية، بهدف تنظيم الأقلية قومياً وبناء مؤسساتها التمثيلية ورفع سقف تطلعاتها القومية والوطنية والمدنية.

لا أتنكر بهذا لأي دور قومي ووطني لشخصيات وأطر غير شيوعية أو جبهوية ساهمت، مهما كانت مساهمتها صغيرة ومحدودة، في تنظيم الأقلية القومية والدفاع عن قضاياها وهويتها. وإن لم ابرز الأمر في مقالي هذا باقسامه الثلاثة، فلا يعود ذلك للتنكر لدور غير الشيوعيين، أو فقط لضآله ومحدودية مساهمة الآخرين وتأثيرهم بالمقارنة مع الشيوعيين\الجبهويين. وإنما لأن مقالي يُعْنى بالاساس بدور جيل الشيوعيين العرب الرواد في تاريخ شعبنا الفلسطيني داخل إسرائيل . كذلك لا أتنكر لحق أي إنسان، يختلف مع الشيوعيين فكرياً وسياسياً، في نقد التجربة الماضية والعمل على تجديدها وتطويرها بما يلائم مرحلتنا الحالية. لكن أستنكر أن يلجأ البعض إلى التنكر للتراث النضالي الأساسي لشعبه، من خلال التنكر والتشويه لدور الشيوعيين ولريادتهم في تنظيم الأقلية القومية.

الشعب لا ينكر، بل يتذكر ولا يتنكر. ولهذا رأت الجماهير، جموع الناس، في الحزب الطبقي الأممي ممثلها...القومي الوطني!

 

العداء للشيوعيين...لمصلحة من؟!

"العداء للشيوعية أقصر الطرق للخيانة القومية"- أظنُّ، إن لم تخني الذاكرة، أني أنا صاحب هذا القول وأول من كتبه في مقال ظهر في أوائل الثمانينات. ثم شرحته تفصيلياً في كتابيّ "الماركسية والمسألة القومية" (أيار 1986) و"بانوراما الاضطهاد والتمييز القوميين" (تموز 1987). وقامت يومها القيامة عليّ من قبل "التقدمية" ونقاد قوميين شوّهوا المعنى المقصود من وراء هذا القول. وعندما استقلت من صفوف الحزب الشيوعي سنة 1988 عيّرني وذكرّني حتى ناقد شيوعي  بهذا القول، ملمحّاً إلى أنني أصبحت أنا الخائن(؟!).

لم يكن المقصود بهذا القول أنه يجب أن تكون شيوعياً حتى تكون قوميا وطنيا، ولا إن لم تكن شيوعيا فأنت خائن قوميا. ولم يكن المقصود الرفض\العداء الأيدويولوجي للشيوعية كنظرية، وإنما العداء للشيوعيين وبالذات بين الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل. والعداء لا تعني حق الاختلاف معهم وانتقادهم، وإنما معاداتهم إلى حد الرغبة بالقضاء عليهم والتخلص منهم، بصفتهم "متأسرليين ومتصهينين وعملاء وخون".

كان الشيوعيون العرب في البلاد رواد وقادة الكفاح القومي والمدني في مواجهة سياسة السلطة الصهيونية العنصرية. وهذه السلطة وأجهزة أمنها ومن لفّ لفها من أذناب وعملاء ووشاة وخَونٍ عرب... كانوا أعدى أعداء الشيوعيين. ومهما عادى العربي في بلادنا الشيوعيين لن يصل في مستوى عدائه إلى بهيمية معاداة السلطة الصهيونية الحاكمة وأحزابها لهم. أما إذا كان هذا العداء-(مرة أخرى ليس المقصود حق الاختلاف والانتقاد)- من قبل دعاة أو أدعياء القومية، فلن يصل بصاحبه إلى التعبير عن الذات القومية، إنما "دوز دوغري"، وموضوعياً، إلى حضن الصهيونية اليهودية والرجعية العربية... فهنيئاً له على هذا "الدفء القومي" في هكذا حضن. ولا أتهمه بأنه اختاره ذاتياً.

ثم لماذا نعادي الشيوعيين، حتى لو اختلفنا معهم أيديولوجيا وحتى سياسياً في بعض المواقف؟ هذا اختلاف  يبقى في إطار الصف الوطني، وخصوصاً أن الشيوعيين وحلفاءَهم يومها كانوا المكافحين الأبرز وتقريبا الوحيدين دفاعا عن حقوقنا القومية والمدنية. فالمعاداة لهم ولنضالهم معاداة لقضايانا الوطنية ولذاتنا القومية وتعزيز هويتها، وإضعاف لوحدة الصف القومية الوطنية وللنضال المشترك .

وعت السلطة الصهيونية وأجهزة مخابراتها هذا الأمر. ووجهت جلّ عداءها في الوسط العربي للشيوعيين. وكانت مستعدة لغض النظر، بل أحيانا ولتشجيع ثرثرة تورجية المظهر باسم الدين أو القومية، شرط أن ينشغل أصحابها في معاداة الشيوعيين والحد من هيمنة نفوذهم الوطني على وعي وحراك الجماهير. "عادوا الشيوعيين... وسنحقق لكم مطالبكم"- وعدت وكذبت السلطة. وتصدى الشيوعيون لهذا محذرين مِن أن مَنْ يقايض حقوقه وخدماته  بالكرامة القومية يفقد الأمرين.

فالسلطة الصهيونية، شرح الشيوعيون، لا  تعادى العرب لأنهم اختاروا قيادة شيوعية لهم، وإنما لكونهم عربا. وهي تعادي الشيوعيين أكثر من كل ما عداهم لكونهم العقبة الكأداء والسد المنيع في مواجهة ومنع تنفيذ ما هو مخطط ومبيّت ضد المواطنين العرب في أروقة سلطة الاحتلال والعنصرية.

أنا اللاشيوعي منذ سنة 1988، أعلنها اليوم من جديد: العداء للشيوعيين في ظروفنا خيانة قومية. وطبعا ليس المقصود بكلمة "خيانة"، لا يومها ولا اليوم، أن تخون شعبك فعليا وعن سبق إصرار، وعن خيار ذاتي بأن تكون عميلا لأعدائه، وإنما المسّ وتسبيب الضرر موضوعياً لنضالاته ووحدته الوطنية الكفاحية. وأضيف اليوم، مكرّراً ما قلته قبل عقود، من أنه لو لم يجد شعبنا حزبنا شيوعيا غداة ليل النكبة وعلى مدى عقود تلته، هكذا كانت سياسته وممارساته، لكان أوجد من بين صفوفه حزبا كهذا.

 

شهادة النـّقيضـَين ، إسرائيل و م.ت.ف

تبقى"وثيقة كنيغ" السرية، التي وضعها حاكم لواء الشمال في إسرائيل، "يسرائيل كنيغ" (كشفتها صحيفة "عل همشمار"بتاريخ 7.9.1976) دليلا رسميا موثقا عن السياسة  الصهيونية العنصرية إزاء عرب البلاد، وعلى موقف هذه السلطة من الشيوعيين وخطرهم على مخططاتها.

جاء في الوثيقة، بما يخص موضوع هذا المقال: يتزايد بين العرب الشعور والتطرف القومي، وذلك بسبب "راكاح"(الحزب االشيوعي). وهذا الحزب يرفع علم النضال القومي إلى جانب الاجتماعي. ويشكّل خطراً كبيراً لأنه قد يقود إلى إستفتاء على مستقبل لواء الشمال. وهو يتماثل مع م.ت.ف. وإذا ما استمرت هيمنته على الشارع العربي قد يحصل على عشرة أعضاء كنيست. وقد يوصل قضية العرب إلى محافل دولية.

وأضافت الوثيقة :"راكاح" هو الذي خطط ونظّم وقاد إضراب يوم الأرض في الثلاثين من آذار(1976). وربّى الناس، بنجاح الإضراب وبالمواجهة مع قوات الأمن، على الاعتزاز والفخر والجرأة ومواجهة السلطة بالعنف. وبهذا أعاد "راكاح" انتصاب القامة العربية بعد ذّلها، وأثبت للجمهور العربي مدى حيويته. وسيحرص بعد نجاح الإضراب على المزيد من رفع القامة العربية، وزيادة روح التصادم مع السلطات، وبناء هيئات قومية.

لذلك توصي الوثيقة: بسحب أسبقية النضال القومي لعرب إسرائيل من "راكاح"، والسماح بتشكيل حزب ظاهره قومي ومرتبط بالسلطة من الداخل يكون التعامل معه أسهل من التعامل مع "راكاح". وتنصح: بتوظيف قوى للتجسس على قادة "راكاح" بهدف المس بهم وتشويه سمعتهم ومكانتهم بين السكان العرب.

وصرّح بنيامين غور أرييه، مستشار رئيس الحكومة لشؤون المواطنين العرب، عام 1982: الحزب الشيوعي هو الحزب الأخطر بين العرب، لأنه يملك البرنامج والتنظيم الأصلب. ولأنه يعمل وفق مبدأ حد أقصى من المكاسب، وحد أدنى من التضحيات.

أما شهادة م.ت.ف وقادتها وما نشرته لسان حالها "فلسطين الثورة" عن الحزب الشيوعي وقيادته للعرب في البلاد، فهو بحر من التقييم الإيجابي الذي يصل إلى حد التعظيم. نكتفي بالاستشهاد بجوهره: "راكاح هو القائد التاريخي للجماهير الفلسطينية في البلاد" و "راكاح الأممي هو المناطح أفضل من كل ما عداه على الصعيد القومي". وبفضل قيادته للجماهير العربية في البلاد، أصبح هؤلاء "العرب بين العرب" و "خير امة من المحيط إلى الخليج" وهم "الذين انتصروا على الصهيونية في عقر دارها".

وتبقى "شهادة" شاعر فلسطين، محمود درويش، "الوثيقة" الأعمق والأشمل والأجمل في تقييم دور جيل الشيوعيين العرب الرّواد وتعداد مآثرهم. جاءت شهادته في كلمته التأبينية لإميل حبيبي، يوم تشييع جثمانه في الناصرة بتاريخ 1996-05-03. درويش يخاطب حبيبي في كلمته. لكنه لا يقصد، حسب اعتقادي، إميل الشخص فقط وإنما كل ذاك الجيل، ولهذا أستشهد أدناه ببعض ما قاله.

يقول محمود: "أنت مسجّى على صوتك ونحن من حولك رجوع الصدى من أقاصيك إليك... باقٍ في حيفا هو الاسم الذي سميّت به اسمك... لتحفر فوق المخطوطات ما لست في حاجة لتأكيده، إلا لمواجهة زمن طال فيه الشك شرعية الأم... لم يرتكب شعبك من خطيئة سوى اسم هذه الهوية الذي تحفره في قطعة من رخام وفي الذاكرة الجماعية... باقٍ حيث وُلد، في المكان الذي واصل فيه سليقة العلاقة العضوية المستمرة، وبلا قطيعة، بين الأرض وتاريخها ولغتها.

ويضيف درويش: "كنتَ منذ البداية وحتى هذه اللحظة أحد المنابر المتحركة الأقوى والأعلى الداعية إلى سلام الشعوب بحق الشعوب. سلام قائم على العدل والمساواة ورفض احتكار الله والأرض... أكثر من جيل واحد من الباقين هنا يعبرعن دَيْنه لك. للطريقة التي حللت بها جدلية التوتر الوجودي والثقافي بين الجنسية والهوية، بطريقة وحيدة هي البقاء والدفاع عن حقهم في المساواة، وإمداد عناصر الهوية بمكوناتها الثقافية، الوطنية والقومية التي لا وجود لهم بدونها... في كل واحد منا واحد منك ونحن جميعا فيك... فطوبى لك أيها المعلم الذي جعل الحنين فاكهة، وسيّج الحيرة بزهرة القندول. والآن وأنت مُسجّى على فكرتك ذات الاقانيم الثلاثة: الحرية والعدل والمساواة، فإن شعبنا بأسره وأصدقاءه يزدادون وفاء لفكرتك. اغفر لنا يا معلمنا ما صنعتَ بنا وبنفسك. اغفر لنا أننا سنعود بعد قليل إلى أنفسنا ناقصين".

 

زيتونـــتنــــا...

استقلت من عضوية الحزب الشيوعي عام 1988، إثر خلاف فكري وتنظيمي لا يخلو من أبعاد سياسية، وأفسد للودّ قضية. لست شيوعيا منذ 23 عاما، ولا أنوي العودة لصفوف الحزب. وكان نهج تعامل قيادة الحزب، إزاء مسألة الخلاف والمختلفين معه في الموقف، قد ترك لديّ غضبا واستياء ومرارات كادت تصل إلى حد الأحقاد والرغبة بالانتقام. لكن الاستياء والمرارة والنقمة لا يجوز أن تصبح موقفا ووجهة نظر أخلاقية وبرنامج عمل إزاء مَنْ تختلف معه فكرياً لا شخصياً.

وأصارحكم يا زملائي الشيوعيين، بأني لم أنسَ ولم أغفر – (وقد تكون هكذا أيضا مشاعركم تجاهي). لكن لم أنكر ولن أتنكر لما صنعت مواقفكم وممارساتكم من مآثر لشعبي. أقول وأكرر هذا من موقعي الجديد كقومي يساري، ديمقراطي وأممي.

بفضلكم يا جيل الشيوعيين العرب الرواد، ومهما وجدنا من انتقادات بحقكم، لم يفقد شعبنا البدر في الليلة الظلماء. كنتم منابر إرشاد وتنوير قومي وأممي، وطني وطبقي، في ليل أشد ظلاما وظلما ومطبّات ومتاهات من ثقل ليل السموأل. منارة طريق وبوصلة اتجاه وطوق نجاة ومرساة سفينة في بحر هائج.

قيادة لم تغامر ولم تقامر بمصير شعبها وقضاياه، وامتازت بالرؤية الثاقبة السليمة وببعد النظر. ولم تتأرجح بين العصيان المدني والخدمة المدنية، بين لفظية الشعار الثوري وانتهازية الموقف القومي الوطني تجاه الغاصب الظالم. قيادة لم تيأس ولم تخنع أمام صعوبات ومصائب الواقع، ولم تذدنب لمزاجية الشارع. صمدت في وجه التسونامي الكولونيالي العنصري والرجعي وتحدّت وقاومت وأنجزت، ولم تسمح للمد الثوري أن يجرفها. هي لم تطف على شبر ماء، فلم تغرق في بحر ماء. ولم تلق نفسها طواعية في اليمّ مكتوفة الأيدي، فلم تتبلّل ولم تـُبلبل. نطقت وتصرفت بحكمة الشجاع وبشجاعة الحكيم حتى عندما كانت "فردا" وحيدا منبوذا. وكرّمها وقدّرها الناس من خلال تجربتهم معها، فأصبح طريق "الفرد" طريق شعب بأسره بقي في وطنه.

نعم وقعت هفوات وأخطاء في المسيرة الطويلة والصعبة، لذاك الجيل الشيوعي الرائد الذي اختط طريقاً وسار بنجاح على درب وعر. ونعم هنالك حاجة لإعادة النظر في بعض الأمور. وهنالك ضرورة لتطوير البرنامج وأدواته ووسائله  في زمننا وظروفنا الجديدة وعلى قاعدة  ما كان وتحقق في الماضي من ايجابيات وسلبيات. كذلك هنالك حاجة لاتباع نهج عمل وتعامل أكثر انفتاحا وأوسع ديمقراطية تجاه الذات والآخر. وهذا الأمر مطلوب من الشيوعيين أنفسهم من مواصلي طريق جيل الرّواد. وهو حق ومطلوب أيضا من نقـّاد جدد لمسيرة الشيوعيين.

وكنتُ قد أشرتُ في مقالي هذا، بأقسامه الثلاثة، إلى هذا الامر أكثر من مرة. لكن لم يكن هدف مقالي نقد السلبيات والنواقص وبحث امكانية واتجاه تطوير البرنامج والممارسة. وإنما تلخيص وإبراز الدور الايجابي للشيوعيين في تاريخ شعبنا وبلورة هويتنا وذاكرتنا القومية والوطنية التقدمية، والتعرض للنقد المغرض بحثهم. وذلك بهدف استيعاب التجربة والاعتماد عليها في مسيرة شعبنا الانطلاقية نحو آفاق جديدة. وأضيف أن النقد الوطني الموضوعي والمفيد، لا يجوز أن يكون تنكّرا للذاكرة الوطنية للناس وشتيمة للرواد الذين شقـّوا وعبّدوا الطريق الذي درج عليه هؤلاء النقاد. هكذا نقد كقول الشاعر:

أعلّمه الرماية كل يوم                       فلما اشتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي                     فلمـــــا قال قافية هجاني

 

فيا أيها الإميلين (حبيبي وتوما) والتوفيقين (طوبي وزياد)، ويا كل رفاق درب جيلهم –(واعفوني من ذكر عشرات الأسماء)- كيف نرثيكم وأنتم أحياء في الذاكرة القومية والوطنية؟ بدلاً من الرثاء، سأقص عليكم قصة شجرة الزيتون وما تركته مراقبتي لها في طفولتي في قريتي الجليلية.

شجرة الزيتون شجرة قديمة عريقة. تضرب جذورها عميقا في الأرض، وتنمو فروعها عرضا وطولا وارتفاعا. وهي شجرة معمّرة، وإن ماتت، تموت... واقفة. كان أبي ينتقي أفضل أشتال تخلّفها الشجرة ليزرعها، واعيا لحقيقة أنه قد لا يأكل من ثمار ما يغرسه. كان يقول لنا، نحن أبناءه، غرسوا فأكلناـ نغرس فتأكلون.

وهي شجرة مباركة. غزيرة الثمار وزيتها مدرار وتحت أغصانها نتفيأ. على ثمرها نتغذى وبزيتها نطهو طعامنا ونضيء سراجنا وقنديلنا ونصنع صابوننا للإغتسال. فننمو ونكبر ويصلبّ عودنا ونرى لأبعد وننظف أكثر. ومن أغصان يابسة منها، وحتى من نواة (عجم) ثمرها، كنا نصنع حطبا ومواد لإشعال نار لتدفئتنا ولطهو غذائنا.

في حضن أغصانها الخضراء تحتمي العصافير وتعمّر وتبني أعشاشها. تولد الفراخ على فروعها. وفي محيطها وعلى تربتها تتعلم الفراخ الدَرْج والطيران. وعلى جذعها الصلب تحط حين تشبُّ، رفوفا رفوفا، لتبري عليه مناقيرها الغضة... ثم تحلّق نسورا نحو آفاق بعيدة.

            أنتم زيتونتنا، يا جيلا عصيّا على الموت.

            والشعب لا يرثي إرْثه، إنما يَرثْه.

579
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

جاري التحميل