تسجيل الدخول

الدخول عن طريق الفيسبوك

لأن جواز سفري إسرائيلي... بقلم مروان دويري - عن النهار اللبنانية

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
536
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

لأن جواز سفري إسرائيلي... بقلم مروان دويري - عن النهار اللبنانية

بعد أن نشرت جامعة كولومبيا كتابي عام 2006 عن العلاج النفسي، بادر بعض الدول العربية إلى دعوتي لادارة ورشة عمل للاختصاصيين والأطباء النفسيين. وحين أوضحت أنني فلسطيني أسكن إسرائيل وأحمل جواز سفر إسرائيليا تراجع الداعون بحجة أنهم ودولهم يقاطعون إسرائيل.

منذ نشر الكتاب تمت دعوتي إلى دول غربية وشرقية عديدة لتقديم خبرتي في هذا المجال، خاصة بعد أن أعلن عام 2008 في أحد التقارير الإحصائية عن الأبحاث أنني من بين أول عشر باحثين في العالم أثروا موضوع علم النفس الحساس للحضارات والثقافات. أبواب دول العالم مفتوحة أمامي إلا أبواب الدول العربية التي أنتمي إلى شعوبها وأنشغل في قضاياها الاجتماعية والنفسية. 

كثيرة هي المؤتمرات العلمية والاجتماعية والسياسية والوطنية المنعقدة في الدول العربية والتي تغلق أبوابها أمام أمثالي من المشاركة بالذريعة نفسها: مقاطعة إسرائيل. ليس في مثل هذا التعامل موقف جائر فحسب، بل هو موقف فجّ ينم عن جهل عميق بتجربتنا الوطنية، وليس فيه موقف وطني ولا قومي ولا يصب في إطار مقاومة إسرائيل أو سياستها. لذلك ارتأيت كتابة هذا المقال إلى إخواننا العرب أولا احتراما لتجربتنا، وثانيا انطلاقا من مسؤوليتنا لتوضيحها لمن تهمّه هذه التجربة الخاصة. 

يسموننا "فلسطينيي الـ48" وفي هذه التسمية تجنّ واختزال لتجربة صمود وبقاء. هل يوجد شعب يعرف بتاريخ نكبته؟ نحن نعتبر أنفسنا "فلسطينيي الوطن" لأننا بقينا في وطننا رغم النكبة. بقينا "أيتاماً على مأدبة اللئام" وتحملنا حكما عسكريا طال نحو عقدين ولم نرحل، وتمسكنا بوطننا كالقابض على الجمر بيده. كنا أقلية ممزقة وشبه منكوبة وتعرضنا لسياسة قمع واضطهاد، هذا بالإضافة إلى انتهاج إسرائيل سياسة هدفت إلى تجهيلنا لتاريخنا، وحاولت غسل دماغ أطفالنا ليتماهوا مع القضية اليهودية والصهيونية. ظنوا أن باستطاعتهم إذابتنا في الغالبية اليهودية في إسرائيل. وماذا كانت النتيجة؟
بفضل ذاكرة آبائنا وأجدادنا وبفضل التثقيف السياسي والوطني الذاتي، وبدون أي عون من اخوتنا العرب، واصلنا جيلا بعد جيل التمسك بهويتنا القومية وبلغتنا العربية وبثقافتنا وتراثنا.  

منذ أن كنا نحو 150 ألف فلسطيني باقين في وطنهم بعد نكبة 1948 مقطوعين عن جزء كبير من عائلاتنا وأصدقائنا الذين أصبحوا لاجئين عبر الحدود الممنوعة، خضنا معركة صمود وبقاء وكافحنا من أجل لقمة العيش وضد سياسة التمييز في أقسى الظروف. بعد أقل من ثلاثة عقود على النكبة استعدنا تماسكنا كأقلية قومية فلسطينية وصنعنا "يوم الأرض" حين أعلنا إضرابا شاملا في 30 آذار 1976 لوقف مصادرة بقية أراضينا وقعت فيه اشتباكات دموية مع الجيش الإسرائيلي. 

بقينا في وطننا نحرس الأرض الباقية والمقدسات الإسلامية والمسيحية والدرزية، ونشارك من موقعنا، في عقر دار إسرائيل، في جميع النضالات الوطنية ضد الاحتلال، وضد الحروب التي شنتها إسرائيل على الدول العربية عام 1956 و 1967 وضد اجتياح لبنان عام 1982 والحرب عليه عام 2006. لم يكن مثل هذا النضال الوطني رفاهية في دولة ديموقراطية، بل مواجهة حقيقية داخل نظام قامع وعنصري مارس السجن والتعذيب والإقامات الجبرية وقطع الأرزاق، استشهد وجرح فيها الكثيرون.

في نظرة للوراء يبدو أن بقاءنا في وطننا هو الإخفاق الأساسي للصهيونية التي لم يقف أمام مشاريعها عائق حتى الآن. يأخذ علينا بعض العرب أننا مواطنون في دولة إسرائيل، وبأننا نحمل جواز سفر إسرائيليا. كيف أرادوا لنا إذن أن نبقى في وطننا في دولة أقيمت عنوة وفرضت الحكم العسكري وملأت البلاد بالمهاجرين اليهود دون أن تستطيع أي دولة عربية نجدتنا؟ كيف أرادوا لآبائنا أن يحافظوا على بقائهم في وطنهم مع كل ما يتطلبه هذا البقاء من مصدر رزق وتعليم وخدمات صحية وتنقل، دون مواطنة؟ ماذا أرادوا أن نفعل وكيف أرادوا لنا أن نحافظ على بقائنا في وطننا ورأينا أن بعض الدول العربية لم تعط لاجئيها الفلسطينيين حتى مواطنة كاملة ولا جواز سفر؟ 

المواطنة لم تكن أداة بقاء عملية في عالم لا مكان فيه لمن لا جنسية له فحسب، بل شكلت وتشكل اليوم القاعدة التي نخوض عليها وبواسطتها نضالا دؤوبا ضد العدوان الإسرائيلي وضد التمييز. وهل تحسبون أن مواطنتنا الإسرائيلية هي مكسب لإسرائيل؟ إسرائيل مشغولة منذ سنين بما تطلق عليه اسم "المشكلة الديموغرافية"، أي وجود نسبة فلسطينية متصاعدة بداخلها تصل اليوم إلى نحو مليون ونصف نسمة وتشكل نحو 18% من سكان إسرائيل، الأمر الذي تعتبره تهديدا لمشروع الدولة اليهودية. لذلك ما زالت الحملات العنصرية متواصلة ضدنا، وتتخذ أخيراً شكل تشريعات عنصرية والتهديد بتنفيذ ترانسفير، لنا أو لجزء منا، خارج الدولة ناهيك عن التصريحات العنصرية التي تسمع يوميا من قبل وزراء وأعضاء برلمان، أو هتافات جمهور يهودي عنصري يهتف دون رادع "الموت للعرب"، أو اعتداءات جسدية على العرب في مناسبات مختلفة. 

إنها سخرية القدر أن تعاملنا إسرائيل على أننا عرب وفلسطينيون بالرغم من مواطنتنا الإسرائيلية، بينما يعتبرنا أخواننا العرب "إسرائيليين" بالرغم من تمسكنا في أحلك الأوقات بهويتنا القومية والثقافية وبمواقفنا الوطنية على مدار عقود وفي عقر دار إسرائيل. ألا يكفينا التمييز الإسرائيلي ضدنا وخوضنا نضالا مريرا ضده دون أي دعم عربي، ليزيد علينا اخوتنا العرب تمييزا آخر يضعنا جورا في قفص الاتهام ويستدرجنا إلى موقع الدفاع عن النفس؟ من يملك المبرر الأخلاقي لمثل هذا التمييز ضد فئة اجترحت ما سمي "أدب المقاومة"، وصنعت "يوم الأرض" الخالد، وشكلت بصمودها في وطنها الإخفاق الأساسي للصهيونية. 
وعودة إلى موضوع مقاطعتنا بحجة مقاطعة إسرائيل. في الأسبوع نفسه الذي تلقيت فيه رفضا لمشاركتي قبل عام في مؤتمر علمي، عقد في إحدى الدول العربية، بحجة جواز السفر الإسرائيلي، تصدرت معظم الصحف لدينا عناوين مفادها بأن الأعلام الإسرائيلية ترفرف في ذلك البلد احتفاء بمشاركة سباحين يهود إسرائيليين في مسابقة سباحة عالمية جرت هناك. ومن جهة أخرى ألا يشارك في المؤتمرات المنعقدة في الدول العربية بعض العرب أو الأجانب الذين هم عملاء فعليون لإسرائيل أو أميركا أو خونة لبلدانهم العربية؟ إلى متى يستمر هذا الموقف الوطني شكليا والرجعي جوهريا؟  

من لا يميز بين الفلسطيني مواطن إسرائيل وبين الإسرائيليين اليهود إنما يكون قد فقد البوصلة الوطنية ولا يستطيع تغطية جهله بذريعة أنه يدعو إلى مقاطعة إسرائيل.

536
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

جاري التحميل